الاتفاق الزراعي بين المغرب والاتحاد الأروبي .. لعبة “ثلاث ورقات”

بيـن تـاريـخ الـطعن في الاتفـاق الـزارعي بيـن الـمغرب والاتحاد الأوروبي فـي 10 دجـنبر 2015 لــدى محكمـة الـعدل الأوروبية باللوكسمبـورغ، وتـاريخ إلغــاء قــرار الـطعن للمحكمة نفسها في 21 دجنبر 2016، جـدت الكـثير من الأمـور وانفضحـت أخــرى…!

المغرب لـم يـكـن طـرفـا، لا في دعــوى الطعـن الأولـى (دجنبـر 2015)، إذ تقـدمت بطلـب الطعن البـوليساريو، ولا طرفـا في دعـوى إلغـاء قـرار الـطعن (دجنبر 2016) المُـقدم مـن طـرف الـمجلس الأوروبـي… بمعنى أنه فـي كلـتـا الحالتيْـن كـان مـوضع استهـلاك إعـلامي وقانوني لغـرض في نفـس يعـقـوب…!

والاتفـاق الـزراعي مـوضوع دعـوى الإلغــاء الجـزئي واستبعـاد الأقـاليـم الـجنوبيـة بـدعـوى عـدم استفادتهـا من عـائـدات الاتفـاق بيـن الـمغرب والاتحاد الأوروبي، ليـس بالاكـتشاف الـجديـد، إذ ظـل هـذا الـمشكـل كـلاعـب احتيـاطـي يـتـم استـدعـاؤه إما للـضغط أو لـضرورة الـفرقعـة الإعلاميـة…

ونحن نعلــم أن توقيـع عقـد الـشراكة بيـن المغرب والاتحاد الأوروبي تــم في 26 فـبراير 1996 ولـم يـدخل حيـز الـتنفـيـذ إلا في فــاتح مـارس 2000 بعـد تعديـلـه من طرف البرلمان الأوروبي، في إطـار شـراكة أورومتـوسطيـة وبـأفــق خلـق فضاء تبـادل تجاري حُــر سـنـة 2010، عـبـر عـقـد اتفاقيـات ثنـائيـة بيـن دول الـبحر المتوسـط والاتحاد الأوروبي تـطبيقـا لـقرارات مؤتمـر بـرشلونـة الأورومتـوسطـي لسنــة 1995..

وإذا علمنـا أن كـل هياكـل الاتحاد الأوروبي، بما فيهـا البـرلمان واللـجنة والـمجلس ووكـالات الاتحـاد… تـتضمن لجـانا خاصة بالـفلاحة والـتنميـة القرويـة والـصيد البحري والـبيـئـة …في إطار ما يُـعرف “بـالسياسـة الـزراعية المشتركــة..”.

وهـذا ما يُـبـرر مـضي أربع سنـوات بيـن الـتوقيـع والـتطبيق وأيضا لـدواعي التعـديـل..ما يعني وجـود عشـرات التقـاريـر، وفــرق معارضة وأخرى مـؤيـدة للاتفـاق الـزراعي حسب المصالح الـقطاعيـة…

وقـد أُثيـرت هُـنـا مسـألـة الأقـاليـم الجنوبيـة المغربية ليـس حـبـا فيهـا، ولكـن فـقـط “لـتسجيل حالـة” سيـتـم المـرور عليها بالـتذكير بمسلسل الانتقـال الـديمقراطي المغـربي…

وهـو ما عـرفه أيضا التـوقيع على معاهـدة الـصيد البحري سنـة 2006…ثــم اتفـاق الفـلاحة والصيد الـبحري في 2010 الــذي صادق عليه البرلمان الأوروبي في 2012. وهنـا نــلاحظ غياب عامل الـعجلـة في تـنفيـذ الاتفـاق بعـد التـوقيـع، لأنـه يجب المـرور عبـر هيـاكـل وقنـوات متعــددة…

لـذلك يمكن الـقـول إن البـوليساريـو وحاضنتها الجزائـر مـافتئـت تُـهـلل بنـصر عـنـد كـل طعـن، وهـي تعـرف أنها خاسـرة في مرحلـة الاستئنـاف، لكـنهـا تُـصر على التمـادي فيـه، لأن لهـا أهـدافا إعلاميـة فقــط ومـناسبة تُـحرك بهـا شعـور الاتحاد الأوروبي، عسـاه يـرفـع من قيـمة الـهبات والمساعدات الإنسـانيـة للمحتجزيــن بتنــدوف…

الـبوليساريـو تعـرف جيـدا أن الـمنتظم الدولي لا يعتـرف بـها، ما يُـفـقـدها الـشخصيـة القـانونيـة، وبـالتــالي يُـفـقـدها أهـليــة الـتقاضي باسـم الأقـاليــم الجنوبيــة، وهـذا ما أكــده قــرار محكمة العـدل الأوروبيـة الـقاضي بـإلغاء قـرار الـطعن في دجنبـر 2016، بـقـولـه إنـه “غـيـر مقبـول”. وهُـنـا أيضا سيـتـم دس الـسم في الـطعام بـقـول الـقـرار نفـسه “مناطـق متنـازع عليهـا”..رغـم أن الراسخين في الـتضليل الـواقعي والقـانـونـي يعــرفــون أن الفصل 73 من الميثاق الأممي هو “الـرحـم القانوني” للقرار الأممي الشهيـر 15/14 لسنة 1963. لـكـن لا يُمكن الحـديـث عن هـذا الـقـرار بمعـزل عن تفاعـلات الـساحة الدوليـة آنـذاك، كـالثنائية الـقطبية والحرب الباردة والتنافـس حول استقطاب الـدول حديثـة الاستقلال، ودون نسيـان أن كلا مـن الاتحاد السوفياتي آنـذاك والـولايات الأمريكيـة لـم تـكن لهـما مستعمرات، وبالتالي كان في صالحها تشجيـع وتـبـني بعض حركات التحرر والاستقـلال لإضعاف أوروبا أيضا..!

وهذا ما يُـبـرر الضغط على إسبـانيـا آنذاك لإدخال “الصحراء الإسبانية” في مضمون الفصل 73..مع تهديدهـا بـإدخال جـزر الكناري في حالـة رفض إسبانيــا..لذلك لا داعي للتبجح في كل مناسبة بهذا القرار المُـسيس..!

إن ما يـهـم البـوليساريـو هــو الـرفع مـن صبيـب الـمساعدات والإعانـات، لـذلك فهـي تـستغل كل مناسبـة للـتموقع الإعـلامي أو إثــارة دعاوى لا تعتـرف بهـا الـقـوانيـن الـدوليـة…في حين أنها مُـطالبة بـتقـديــم تـوضيحات حـول أعمال الـعنف والاختفـاء الـقسري داخـل المخيمات، وتقـديــم ابراهيـم غـالي للقضاء الإسبـاني للإجابـة على تـهـم الـتحرش والاغتصاب في حــق صحراويـات….!!

وهكــذا أصبح أكـثـر مـن لاعـب سيـاسي يـستغل ملف الـصحراء كـورقة ضغـط في مواجهـة الـمغرب، ومنها ملـف الاتفاق الزارعي مع الاتحاد الأوروبي…

وأهـداف السياسـة الـزراعية الـمشتركة الأوروبيـة، وطيـلـة أكثر من 50 سـنـة، تمحورت حـول دعـم أسعـار الـسوق والـمزارعيـن وتـنميـة العـالم القـروي وحمـايـة التـنـوع الـنباتي والـبيـئـة والأمــن الـغـذائـي …في حيـن أن اتفـاقيـة الشراكـة الأورومتـوسطيـة بـرشلونـة 1995 تضمنـت إلى جانب تحـريـر أسعـار الجمارك وخلـق فـضاء تجـاري حــر، دعـم مسلسل الانتـقـال الديمقراطي والحريات والمجتمع المدني والإعــلام…وغيـره، لـذلك لـم يكـن مطروحا ملـف الـوحدة الـوطنيـة في المعاهـدات الثنـائيـة مع دول الاتحـاد…

من جهة أخـرى، فمكتب الـمساعدات الإنسانية باللجنـة الأوروبيـة، وفي إطـار برامـج الـتضامن الإنسـاني، خـصص سنـة 1993 حـوالي 128 مليـون أورو لسكان الـمخيمات، تخصص للماء والخيـام ولبـرامج التـعليم والـصحة، وأيضا تمويـل الـمنظمات غير الحكومية لــتقديـم بـرامج أخـرى…بـالإضافة إلى تمويـل بـرنامج الغـذاء العالمي التـابع للأمـم المتحـدة لتـقـديـم الحاجيات الأولـيـة سنـة 2006 …وكل هـذا رغم أن سكـان الـمخيمات ليـس لهـم وضع “لاجـئ “…!!

وأمام لُـعبة “الـثلاث ورقــات” قـام الـمغرب بتقويـة مـوقفـه ووضعه التفـاوضي عبـر فتـح ورشـات الـديمقراطية بالتعديـل الـدستوري وتجريـم العنـف والتعذيـب والاختطاف، وتعـديـل قـانون الصحافـة والـمسطرة الجنائيـة وفـتـح الحـوار الوطني للمجتمع المدني وتـنبـني الجهويـة الـمتقدمة…

ويمكن اعتبـار خطاب العيـون نـونبر 2015، بمثابــة “رصاصة الرحمة” لكـل ادعـاءات الـبوليساريو أو غيرهـا من خصوم الـوحدة التـرابيـة، فـي عـدم استفـادة الأقـاليـم الجنوبيـة المغربيـة مـن بـرامج الـتنميـة…

فـالجهويـة الـمتقدمة كـآليـة ستُـمكـن أبنـاء الـصحراء من الوسائل اللازمة لـتـدبيـر شـؤونهـم وإبـراز قــدراتهـم في الـنهوض بـالمنطقـة.. كما أن بـرنامـج الـمشاريع الإستـراتيجيـة، كـالمينـاء الأطـلسي بـالداخلة والوحدات الصناعية بالعيـون والمـرسى ببـوجـدور ومشروع الـتحليـة والـبنيـة الـتحتيـة، ستجعـل من الجنــوب المغـربي مـركـزا للتبــادل مع إفريقيـا..كما أن عـودة المغرب أخيـرا إلى منظمة الاتحـاد الإفـريقي ستُـعطي نـفسـا جـديـدا لاستثمـار عـائـدات الـثـروات الـطبيعية بـالمنطقـة…

مـغـرب الـيـوم قــوي تـفاوضيـا ويـمسك بمفاتيـح ملفـات مهمـة، تـهـم أوروبـا، كالهجـرة ومحاربة الإرهـاب، مغـرب اليـوم قــوي بانفتـاحه على أسـواق جديــدة كـالصين وروسيـا والـهنـد وكـذا دول إفـريقيـــا، مـا سيجعـل الـضغط عليـه بملـف الصحراء المغربية مسـألـة تجاوزهـا منطـق التــاريخ…

إن السيـاسة الـزراعية الـمشتركة الأوروبيـة حرصت دائمـا على دعـم الأسعـار عبـر بـرمجـة الإنتـاج الـزراعي لتفــادي الفـائض، ودعـم الـمزارعين بـالدول المتوسطيـة الأوروبيـة، كإسبانيـا وفـرنسـا وايطـاليـا واليـونـان، وكـذا خلـق شــروط التنـافسيـة في ظـل ظـروف دوليـة مـتقلبـة، كـالحظر الـروسي للمنتـجات الأوربيـة داخـل روسيـا، أو تـقلبـات منـاخيـة كثـيـرا ما عـصفت بـالمحاصيل الـزراعية والـعمل على التنمية القـرويـة والمحافظة على جودة التـراب والبـيئـة..

لــذلك فالـضغط أو الاحتجاج في الشـارع أو داخـل البـرلمان الأوروبـي أمر مـألــوف، وشـاهـدنــاه حتى أثنـاء مفـاوضات والتصويـت على اتفـاقيـة التجـارة بيـن الاتحــاد الأوروبي وكـنـدا يــوم 15 فبـراير 2017… وعلى البوليساريو وخصوم الـوحدة الـترابيـة أن يبحثـوا لهـم عـن مشجب جديد يعلقون علـيـه آمالهـم الـواهيـة…لأن المغرب في صحرائه، والصحراء في مغربــها..

عبد الله بوصوف

شارك