الرئيسية » أخبار متنوعة » استغلال”مفرط” لآبار وعيون طبيعية يتسبب في “أزمة عطش” كل سنة…..

استغلال”مفرط” لآبار وعيون طبيعية يتسبب في “أزمة عطش” كل سنة…..

“الذهب الأبيض”.. شركات تحتكر الثروة المائية للمغاربة….

القانون رقم 95-10 المتعلق بالمياه وخاصة في مادته الأولى جاء واضحا “المياه ملك عمومي، ولا يمكن أن يكون موضوع تملك خاص”، إلا أن هذا القانون لم يمنع من استمرار الاستغلال “البشع” للعديد من منابع المياه المعدنية الطبيعية التي تصرف هذه المادة وهي معبأة في قنينات للمغاربة بمبالغ باهظة جدا، إذا ما قورن سعرها مع أسعار المياه المعدنية المعبأة بدول أجنبية، فإذا كان اللتر الواحد ونصف اللتر من المياه المعدنية يتم بيعه للمغربي بسعر 6 دراهم، فإن سعر المياه بأغلب الدول الأجنبية تباع بحوالي درهم مغربية فقط للتر الواحد، علما أن بعض هذه الدول تعرض المياه مجانا لمواطنيها عبر موزع عمومي وضغط زر فقط يمكنه من ملء قنينته بالمياه المعدنية أو المياه الغازية التي يرغب فيها دون أن يؤدي فلسا واحدا.
القانون المذكور لم يمنع الدولة من تفويت منابع طبيعية للمياه (عيون) وآبار إلى شركات خاصة لاستغلالها، وهو ما مكن هذه الشركات من مراكمة ثروات “ضخمة” وأرباح طائلة، علما أنها ثروة مائية عمومية لجميع المغاربة، ويفترض أن تكون ملكا لهم جميعا، أو على الأقل أن يتم تقييد منح هذه الرخص بجملة شروط تراعي سعر المياه من جهة، حيث يجب أن تكون الأسعار مقبولة، إذ كيف للمستهلك أن يقتني مياه وطنه الطبيعية التي وهبها الله لكل المغاربة بسعر يفوق إمكانياته ولا يوازي بأي شكل من الأشكال مدخوله الشهري، مثلما يجب على هذه الشركات أن تقدم بدائل لهذا الاستغلال لصالح السكان المجاورين لهذه العيون الطبيعية من قبيل توفير فرص للشغل وغيرها من الشروط التي تعوض عن هذا الاستغلال لثروة طبيعية عمومية هم أنفسهم يحرمون منها علما أنها تقع فوق أراضيهم الأصلية.
استغلال مفرط..
في قلب منطقة أولماس التي تعد أكبر جماعة قروية مصدرة للمياه المعدنية، بل أيضا لبعض الدول العربية، يعاني العديد من سكان هذه المنطقة نقصا في المياه الصالحة للشرب التي تربط بمنازلهم، وهو أساسا ما أخرج بعض السكان للاحتجاج للمطالبة بهذه المادة التي أخذت تنقطع ساعات طويلة بين الفينة والأخرى على منازلهم، رابطين هذا الانقطاع بالاستهلاك المفرط للشركة الخاصة للفرشة المائية بالمنطقة وهو ما تسبب في نضوب المياه الجوفية وتراجع صبيب المياه بصنابيرهم وتوالي الانقطاعات المتكررة أيضا، وهو ما أصبح يحرمهم من الماء الطبيعي بالمنطقة، في الوقت الذي تجني من ورائه الشركة الخاصة أموال وصفت بـ”الطائلة”. الشركة المذكورة لا تستغل فقط المياه المعدنية بل أيضا المياه الغازية. والغريب، تقول بعض المصادر، أن حتى الوديان التي كانت جارية رقراقة تراجع صبيبها أو جفت بالكامل، على اعتبار ما تتعرض له من استغلال “مجحف”، تضيف المصادر ذاتها.
ويشار إلى منطقة والماس ليست وحدها من تعاني، خاصة في فترات الحر، من نقص في مياه الشرب والانقطاعات المتكررة، بل تكاد تشهد كل المناطق التي تستغل فيها شركات خاصة المياه الجوفية المعاناة نفسها، ولعل هذا ما جعل البعض منهم يخرج في مسيرات احتجاجية على الدواب.
ثورات العطش...
وبضواحي فاس حيث توجد حامة سيدي حرازم التي تستغلها بدورها شركة خاصة لتعبئة المياه المعدنية، خرج سكان جماعة عين الشقف التابعة لإقليم مولاي يعقوب، ونفذوا العديد من الوقفات أمام مقر الجماعة احتجاجا على غياب مياه الشرب، بل إنهم خرجوا في مسيرة احتجاجية شارك فيها الأطفال والنساء على الحمير وهم يحملون القنينات الفارغة البراميل، في إشارة إلى أزمة العطش التي يعانونها، خصوصا بدواير “أولاد عياد” و”مزارع أولاد بوصالح”، حيث رددوا شعارات تطالب بحقهم في الماء. مصادر “المساء” أفادت بأن هذه المياه “المسروقة” من حق أبناء المنطقة أولا، وإلا فكيف يعقل أن تستغل شركات خاصة مياه أراضيهم الجوفية وخيراتها الطبيعية فيما هم يعانون من العطش مع كل موسم حر بالتحديد. فالدستور المغربي يضمن لكل مغربي الحق في الحياة ولا توجد حياة بلا ماء، وإنه لمن التناقضات أن “يحرم مواطنون من المياه الجوفية للعيون والآبار بوطنهم فيما تمنح على طبق من ذهب لجهات محظوظة”، فإذا كان من يتحدر من مناطق تغمرها المياه الباطنية يعاني من العطش في الصيف بسبب استغلاله من طرف تلك الجهات، فماذا سيحصل لسكان مناطق أخرى مثل مدن الجنوب الشرقي كزاكورة التي شهدت ثورة العطش التي انتهت باعتقال عدة أشخاص لأنهم طالبوا بقطرة ماء فقط، أليس من حقهم الاستفادة من الماء كغيرهم؟ أمن المنطقي أن نعطي الأولوية لشركة خاصة همها الربح على حساب مواطنين فقراء ليست لهم القدرة على اقتناء قنينات المياه المعبأة التي تصل إلى مدنهم، فيما لا تصل المياه إلى صنابير منازلهم علما أنه حق دستوري؟ وليست زاكورة وحدها من تعاني من العطش، فالجميع يتذكر أنه حتى في المواسم الجيدة التي تتساقط فيها الأمطار بكثافة يسجل نقص في المياه ببعض المدن، وهنا الحديث عن أزمة الماء التي عرفتها أكثر من 40 مدينة وجماعة السنة الماضية.
“لا لتسليع” المياه
الرابطة المغربية للمواطنة وحقوق الإنسان سبق لها أن دعت إلى “تأميم جميع مصادر المياه بالمغرب بما فيها المعدنية”، باعتبار أن الحق في الماء هو ملك للجميع ولا يجوز تسليعه، وهو الرأي التي تذهب إليه جهات أخرى تحذر من أن الرهان على الرأسمال الخاص في تدبير الموارد المائية يخلف كوارث تتضرر منها الفئات الشعبية، سيما في ظل النهب والفساد المتفشي، مطالبة بضرورة إعادة تدبير نعمة الماء بشكل فيه الكثير من الديمقراطية.
وتسيطر “شركة أولماس سيدي علي” على نحو 60 في المائة من سوق المياه المعبأة، وتبيع مياه معدنية طبيعية (سيدي علي)، ومياه معدنية طبيعية فوارة (أولماس)، ومياه معالجة (باهية)، وهي الشركة التي تملكها مريم بنصالح شقرون رئيسة الاتحاد العام لمقاولات المغرب، فيما تستغل الشركة الأورو-إفريقية للمياه (EAE ) الخاصة منذ 2010 المياه الطبيعية لقرية “بنصميم” بمنطقة إفران وتسوقها تحت اسم “عين إفران”.
بلاغ
بعد اتساع رقعة مقاطعة منتوجها “سيدي علي” خرجت شركة أولماس للمياه المعدنية عن صمتها مؤكدة أنها ” تفاعلت مع هذه المقاطعة وهي تراعي حجم الصعوبات التي تواجهها الأسر المغربية أمام ارتفاع تكاليف المعيشة”. كما أن “مسألة القدرة الشرائية تعتبر واحدة من القضايا التي تستأثر كثيرا باهتمامنا داخل شركة أولماس للمياه المعدنية”، وأن هذا أساسا ما جعلها تتخذ قرار عدم الزيادة في أثمنة بيع منتوج سيدي علي بكافة أحجامه منذ سنة 2010، على الرغم من التضخم المتواصل الذي شهده المغرب وارتفاع تكلفة الإنتاج في سائر مراحلها(المواد الأولية والطاقة والأجور والضرائب).
كما أكدت الشركة في بلاغ لها أن شركة أولماس للمياه المعدنية لا تستغل هذه المياه مجانا، مثلما يروج له، بل يخضع ذلك لضرائب ورسوم مهمة للغاية وعلى سبيل الإشارة فقط، ففي سنة 2017 دفعت أولماس للمياه المعدنية 657.072.912 درهما من الضرائب (الضريبة على القيمة المضافة، رسم استغلال المنبع المائي، ضريبة الاستهلاك الداخلي المحلي، ضريبة البيئة، رسوم العلامة الضريبية وغيرها من ضرائب ورسوم أخرى)، (بزيادة بلغت نسبة 9,8 في المائة مقارنة بسنة 2016). وعلاقة بالضريبة التي تم دفعها من طرف الشركة لجماعة أولماس، فقد ارتفعت في سنة 2017 إلى99.056.958 درهما، أما رسم استغلال المنبع المائي لعام 2017، فقد بلغ بدوره 48.288.916 درهما.

بالإضافة إلى هذه الضرائب، فإن ثمن الماء المعدني الطبيعي سيدي علي يشمل تكاليف التوزيع، هامش الربح للتجار، المواد الأولية والمواد المستهلكة، النقل واللوجيستيك، استهلاك المعدات، تكاليف المستخدمين وتحملات أخرى، تقول الشركة وأن هامش الربح المحقق في سيدي علي هو 7 في المائة، أي ما يعادل 40 سنتيما لقارورة من حجم لتر ونصف. السؤال الذي يظل مطروحا أليست الشركات العالمية الكبرى للمياه مثقلة بدورها بالضرائب والمصاريف لفائدة الدولة؟ ولماذا هذا التفاوت الكبير في الأسعار؟ علما أن مياه معدنية معبأة تأتي من دول مجاورة تباع داخل السوق المغربية بسعر يقل عن السعر الذي تعرض به المياه المعدنية المغربية، وعلما أن مصاريف وصولها إلى السوق الداخلية تكون مكلفة أكثر.

نزهة بركاوي : المساء

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *